لقد بنيت حركة الإصلاح في تونس كما في غيرها من البلاد العربية وخاصة منها مصر ولبنان على سؤال كبير : لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ وجاء الجواب جوابين. كان الأول لأننا ابتعدنا عن السلف الصالح. وتمثله المدرسة الوهابية و المدرسة الاخوانية ولو في مرحلة متأخرة باعتبار تاسيسها سنة 1928. أما الجواب الثاني فكان، لأننا لم ناخذ بالاسباب لاكتساب المعرفة التي خرجنا من انتاجها بخروجنا من الأندلس سنة 1492. وانحازت تونس إلى الجواب الثاني. فاستفاد رواد الإصلاح فيها منذ بداية القرن العصيب اي القرن 19 بمن سبقهم أو عاصرهم في الشرق كجمال الدين الافغاني ومحمد عبده.
الا ان التاسيس في تونس كان مرتكزا على فكر ابن خلدون، المتسم بالميل إلى العدل والحرية وتحليل الظواهر بالعقل دون سواه. ومن ثمة كانت اصلاحات خير الدين في كتابه:" اقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" الصادر سنة 1867 اي قبل فترة توليه الحكم. ولعل اهم ما في الكتاب مقدمته التي كانت برنامجا إصلاحيا شاملا. ويطرح خير الدين قضية التمدن والتقدم ويرى ان ذلك لا يمكن أن يكون إلا باقتباس من الغرب دون محاكاة " ما يحمد من المصالح الدنوية..... في حدود الشريعة الإسلامية". كما يرى ان الأمم الأوروبية إنما تقدمت بسبب " الحرية السائدة فيها على المستويين السياسي و الاقتصادي" وبسبب عملها على "تمهيد طرق العلوم و الفنون وتسهيل أسباب استحصالها". وقد عمل خير الدين على تطبيق برنامجه حين اعتلى السلطة في الفترة الفاصلة بين 1874 و 1877، مما أعطى نتائج باهرة لعل اهمها تأسيس المدرسة الصادقية سنة 1875.
وعلاوة على الرواد الأوائل أمثال ابن أبي الضياف وسالم بوحاجب ومحمود قبادو، تعززت الحركة الاصلاحية منذ سنة 1886 بعناصر جديدة شابة و متحمسة ومزدوجة الثقافة أمثال البشير صفر ومحمد لصرم وعلي بوشوشة. إذ تمكن هؤلاء من تأسيس جريدة " الحاضرة" وكانت ذات منحى اصلاحي إسلامي، قاومت الجمود الفكري الديني و الاجتماعي. تعزز عملها بعد ذلك بتاسيس "الخلدونية" سنة 1896، وهي معهد غايته إعطاء دروس في العلوم الحديثة من كيمياء و فيزياء وعلوم طبيعية وتاريخ و جغرافيا لتطوير المؤهلات العلمية لطلبة الزيتونة الذين كانوا مقتصرين على علم اللغة و الآداب وعلوم الدين من فقه وتفسير وتجويد، ادراكا منهم بقصور معرفتهم. أما ما بعد سنة 1920، تاريخ تأسيس الحزب الحر الدستوري التونسي فكان كل رواد الحركة الوطنية يتعاملون مع الواقع دون إنكار للهوية. إلا انهم عملوا على تغيير العقليات للارتقاء بشعبهم إلى ما هو أفضل.
واهم افرازات الاستقلال هو الدستور الذي جاء حاميا للدين و العروبة ومجلة الأحوال الشخصية التي استفادت من كل المذاهب السنية وكان مهندسها المحوري هو الشيخ جعيط.
لذلك فليس هناك حاجة للنهضاويين الذين يقدمون أنفسهم حزبا محافظا إلى فكر دخيل قد رفضناه مما يزيد عن قرن. ولا مجال للدفاع عن فكر يوسف القرضاوي قطب الإخوان بالشرق. ان تغيير نمط المجتمع التونسي هو محاولة بائسة لا تضيف غير الفتنة والعنف. ان في تراثنا ما يمكن أن ترتكزوا عليه لتكونوا أوفياء لتاريخكم ووطنكم. علما ان تونس تتونس كل فكر دخيل أو ترفضه كما ذهب إلى ذلك حسن حسني عبد الوهاب. ولكم في تاريخنا العديد من أمثلة الرفض و القبول. لذلك فإما الانصهار واما الرفض. ولكم سديد النظر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق