هو ذا العمرُ ثوانٍ مسرعاتْ
والفتى مابين شكّ ويقينْ
بين أمٍّ هي رمز المؤمناتْ
وأبٍ رمزٍ لكل الكافرينْ
ريشةٌ بين شمال ويمينْ
فأبوه مغرق في الشهواتْ
واسمُه" بتريكُ" ذو الفعل اللعينْ
و"مُنيكا" أمه في العابداتْ
تذرف الدمع على مَرِّ السنينْ
ترتجي الرب مجيب الدعواتْ
أن يقود الابن للحق المبينْ
وابنها يلهث خلف النزواتْ
راكبا للشر في شرِّ سفينْ
سالكا درب أبيه في الحياةْ
يدَّعي حرية وهو سجينْ
ذاك أُوغستينُ شرقيُّ السماتْ
ابن" طاغستَ" بلاد المؤمنينْ
ابن افريقْيا سليلُ اللبواتْ
والأمازيغِ الأسود القاهرينْ
صار عبدا بين أيدي الصبواتْ
صار في يوم اِمامَ الصابئينْ
يُغضب الأمَّ بتلك النزعاتْ
هازئا بالله رب العالمينْ
سائرا في العُهر خلف الخاطئاتْ
شاهر السيف على المستغفرينْ
و"مُنيكا" أمه في الصلواتْ
تتمنى أن يُرى في التائبينْ
وهو يُفني الوقت في المسرحيّاتْ
يعشق التجسيد كاليونانيينْ
وهو مفتون بشرّ الفلسفاتْ
يقتفيها كاقتفاء الصائدينْ
ويَرى فيها ملاذَ الحائراتْ
ويرى فيها ملاذ الحائرينْ
ويرى التخريف في اللاهوتياتْ
ويرى اللذة دينا خير دينْ
ويقود الصحْب نحو التهلكاتْ
نحو غلمانٍ وحورٍ ومعينْ
وله ابنُ زنى في الحُجراتْ
أمُّه مشهورة في الخاطئينْ
ذاك ”أوغستين“ زير الفاسقاتْ
ما استحى من فعله ذاك المشينْ
صار يمضي عمره في الرحلاتْ
بين "قرطاج“ و"روما“ كل حينْ
مغرما في السرِّ بالتونسياتْ
مادحا في الجهر للتونسيينْ!
مستفيدا من دروس الجامعاتْ
في النقاشات ودحر الدينيينْ
ماله من مستقر وثباتْ
ببلاد المغرب الرحب العرينْ
هكذا صار فتَانَا في انبتاتْ
ماله أرض وأهل وحنينْ
هكذا صار فتانا في الشتاتْ
ماله قول ولا رأي رصينْ
وهو أستاذ أصول الفقهياتْ
لم يجد فقها يقود التائهينْ
فهو حينا ناحب بالعبراتْ
يرتجي الرب مغيث الخائفينْ
وهو حينا هازئ بالخارقاتْ
وثنيٌّ كجميع الأمّيينْ
وهو حينا مؤمن بالمعجزاتْ
وهو حينا قدوة للدهريينْ
وهو حينا مغرق في المادياتْ
وهو حينا قدوة الروحانيينْ
هكذا صار الفتى في السفراتْ
يجمع الأضداد جمع الحاصدينْ
فهو ذئب وهو راع وهو شاةْ
حولها جمع من المختصمينْ
هكذا صار الفتى في الذبذباتْ
ضاحكا تلقاه والقلب حزينْ
ازدواجيّ الرؤى والكلماتْ
فهو ذو كفر وايمان مبينْ
وهو يقظان ولكن في سباتْ
وهو أعمى وعصاه لا تعينْ
وهُداه في اشتداد الظلماتْ
ونهارات الفتى مثل الكمينْ
وتتالت منه تلك الهفواتْ
ورأى في دين"ماني" ما يزينْ
فانبرى يأخذ عنه الزندقاتْ
ويراها الدرَّ ذا السعر الثمينْ
مادحا ما جاء في "الأرْيوسِيّاتْ"
من شنيع اللفظ والمعنى الغبينْ
وغدا ذاك الفتى في الندواتْ
يمدح الشرك ككل المانيينْ
ويرى الشيطان رب السيئاتْ
فوق رب الخير رب العليينْ
ويرى موسى أتى بالهرطقاتْ
ويسوعًا في عداد المفترينْ
ويرى ”انجيل ماني“ بركاتْ
لم يحزها أحد في المرسلينْ
هكذا أضحى ”أغستين“ وباتْ
غاويا يغوي جموع المهتدينْ
وهو كالفرخ الذي طار وفاتْ
بجناح لا يعين الطائرينْ
ناسيا عشّا بأعلى الشجراتْ
يمنع الغرّ من العشوائيينْ
ناسيا حضنا يقيه النائباتْ
خابطا في الأفق مثل الخابطينْ
و“مُنيكا“ أمه في زفراتْ
وتناهيد وسهد وأنينْ
ترتجي الخالق رب الكائناتْ
أن يعمّ النورُ درب الضائعينْ
وروت من بعد تلك الحسراتْ
أنها قد رأت الروح الأمينْ
وهي في نهر بزيِّ الراهباتْ
وحواليها جموع المغرقينْ
وهي تمشي فوق شبه الخشباتْ
وتنادي: يا رحيم الخاشعينْ
نجِّ ابني من شرور السيئاتْ
وأرحه من قنوط القانطينْ
فأتى الروح سريع الخطواتْ
وأراها ابنها في المنقذينْ
فرأته وحده في الفلواتْ
قد رأى زيتونة في أرض طينْ
فأتاها وهي بين الطرقاتْ
وانحنى يحضنها وهو مَهينْ
وينادي: يا بديع المبدَعاتْ
اعفُ عني وأعنِّي يا معينْ
فأتاه الصوت من كل الجهاتْ
قائلا: اقرأْ تصرْ في العارفينْ
فتولَّته من الأمر هناتْ
وأجاب الصوت والدمعُ سخينْ
قائلا: لست أرى من صفحاتْ
وكتابات بخط الكاتبينْ
فأجاب الصوت: اقرأ بأناةْ
عمل الخالق رب المبدعينْ
قد وهبناك من الآن لغاتْ
فاقراِ المجهول حتى يستبينْ
وتدبرْ يا فتى ما هو آتْ
ولتكن يا ابني من المستيقنينْ
فتلا ذاك الفتى سفر النجاةْ
ثم أمَّ النهرَ نهر المتقينْ
فأزال الرجس رجس الشبهاتْ
وغدا روحا بجسم فيه لينْ
وانجلت عنه جميع النكساتْ
وقد استمسك بالحبل المتينْ
وقضى ما قد بقى في الزهدياتْ
وانجلى عن أمه الحزنُ المُهينْ
وغدا في حسن ذات وصفاتْ
ونبوءات تنير السالكينْ
ذاك "ابن الدمع" عالي الدرجاتْ
ابن دمع الأمِّ ذي السّر المكينْ
ذاك محيي النفس من بعد المماتْ
ذاك أوغستينُ وضاء الجبينْ
ذاك قديس الهدى والقدسياتْ
ذاك جسر لجميع العابرينْ
ولقد حدثنا عنه الثقاتْ
أنه كان امام الخيرينْ
باع ما أحرز من ممتلكاتْ
فدية منه لكل المعوزينْ
وابتنى صومعة في الربواتْ
وانزوى يهدي حشود العاثرينْ
وابتنى ديرا لكل الأخواتْ
باسْم من صانته اذ هو جنينْ
باسْم أم قد بكت في الغدواتْ
عله يأوي الى الركن الحصينْ
باسْم "مونيكا"رجاء الأمهاتْ
حين يبكين غيابات البنينْ
وقضى القديس في أرض مواتْ
فاذا هي زياتين وتينْ
واذا قبرُ أغستين نباتْ
عانق الجوريُّ فيه الياسمينْ
ذاك ما قالته احدى العابراتْ
من ظلام الهُمَّج التحريفيينْ
وهي تلقى الموت مُرَّ السكراتْ
بعد تحريق بأيدي الظالمينْ
وحواليها نساء قانتاتْ
وكذا الأعمالُ ذخر الذاخرينْ
ولقد مرت عليها لحظاتْ
وضعتْ فيها صبيا كاللجينْ
جاء عند الفجر عذب النسماتْ
خفّف الحزنَ وسرَّ الناظرينْ
تركته أمه للحاضناتْ
حين ماتت وارتقت للعلويينْ
وبكتها حينذاك النائحاتْ
وغدا مولودها في الأكرمينْ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق